محمود بن حمزة الكرماني

65

البرهان في متشابه القرآن

ولبيان ذلك نقول : استبطان الفيروزآبادي « 1 » لكتاب ( البرهان ) : تقدمت وفاة ( الكرماني ) على وفاة ( الفيروزآبادي ) بثلاثة قرون ، إلا أن هناك أسباب قوية جعلت الفيروزآبادي على علم تام بآثار الكرماني العلمية منها : أن الفيروزآبادي ولد في بلدة ( كارزين ) « 2 » جنوب شيراز في فارس وهي الولاية الملاصقة لولاية كرمان من جهة الغرب وكان والد الفيروزآبادي من علماء اللغة والأدب في شيراز . كما تلقى ابنه العلم في هذه العاصمة ومكث بها حتى ( سنة 745 ه ) ، ثم انتقل إلى واسط حيث تلقى بها القراءات العشر ورحل منها إلى بغداد . وفي شيراز استطاع الفيروزآبادي أن يطلع على مؤلفات الكرماني ، ومؤلفات أخلص تلامذته الإمام نصر بن علي الشيرازي ( توفى بعد سنة 587 ه ) . ونجزم بأن الفيروزآبادي قد اطلع في شيراز على عدة نسخ من كتاب ( البرهان ) الذي كان متداولا لدى العلماء وموجودا في مكتبات شيراز ، وإذا أضفنا إلى ذلك : أن الفيروزآبادي كان من صغره مغرما بالورّاقين وهم أشبه بدور النشر الآن ، كما كان مغرما بنسخ الكتب مما يدل على شدة تعلقه بالعلم لما في نسخ الكتب من مشقات لا يطيقها إلا النساخ ، كما كان قوىّ الحفظ ويذكر عن نفسه أنه كان لا ينام حتى يحفظ مائتي سطر . فإما أنه عثر على نسخة من نسخ كتاب ( البرهان ) عند أحد الوراقين فحصل عليها ، وإما أنه كلف أحد الورّاقين بنسخها له ، وإما أنه قد ساعفه الحظ فعثر في مكتبات شيراز على نسخة بخط الكرماني نفسه ونقلها ، ومن شدة تعلقه بهذا الكتاب ، وثبت إليه فكرة استبطانه عندما قام بتصنيف كتابه المشهور ( بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز ) « 3 » وفي الجزء الأول « 4 » من هذا الكتاب تكلم الفيروزآبادي على مباحث تتعلق بسور القرآن الكريم وعقد لكل سورة بصيرة تضم تسعة مباحث : خصص المبحث الثامن منها ( للمتشابه )

--> ( 1 ) هو الإمام اللغوي المؤلف المشهور مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي ( 729 - 817 ه ) مؤلف القاموس المحيط في اللغة . ومصنفاته في التفسير والحديث والفقه واللغة والتاريخ بلغت خمسين مصنفا ، منها شرحه لصحيح البخاري المسمى ( فتح الباري بالسج الفسيح الجاري في شرح صحيح البخاري ) وكان يقدر تمامه في أربعين مجلدة كمل منها عشرون . ( 2 ) كارزين - بفتح الراء وكسرها وبكسر الزاي كما صرح الفيروزآبادي في مادة ( كرز ) في القاموس المحيط . وهناك بلدة أخرى من كور سابور يطلق عليها « كازرون » . وقد التبس الأمر على كثير من المتخصصين فنسبوا الفيروزآبادي إلى الأخيرة . ( 3 ) نشره المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في ست مجلدات اعتبارا من سنة 1383 ه حتى سنة 1393 ه . ( 4 ) الجزء الأول بتحقيق العلامة الأستاذ محمد على النجار سنة 1383 ( 1963 م ) ويعتبر في نظرنا أول نص مستبطن مطبوع لكتاب « البرهان » صدر منجما على مبحث المتشابه الذي عقده الفيروزآبادي لكل سورة .